الكافيار والبخوش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الكافيار والبخوش

مُساهمة  Admin في الإثنين فبراير 09, 2009 12:58 pm


لم يوضح الحليمي المندوب السامي للتخطيط، وهو يتحدث في ندوته الصحافية الأخيرة عن ضرورة ترشيد الأسر المغربية الغنية لنفقاتها، وتوجهها لاستهلاك المنتجات المغربية، والكف عن استهلاك المنتجات المستوردة كالكافيار وسيارات «الكات كات»، هل سيكف هو شخصيا عن تدخين السيغار الكوبي المستورد بالعملة الصعبة. وهل سيستبدله بتبغ رديء محلي الصنع. كما أنه لم يقل لنا هل سيغير سيارته الميرسيديس الفارهة المستوردة بسيارة «لوغان» اقتصادية محلية الصنع.
من السهل جدا أن يأتي مسؤول سام كالحليمي يتقاضى راتب وزير، ويطالب المغاربة بتغيير عاداتهم الغذائية والاستهلاكية دون أن يكلف نفسه عناء إعطاء المثل.
في برنامج «لدي سؤال سعادة الرئيس» الذي بثته القناة الثانية الإسبانية قبل أسبوع، والذي يأتي إليه رئيس الحكومة ليجيب مباشرة عن أسئلة مائة مواطن ومواطنة يتم اختيارهم عشوائيا، سأل ميكانيكي الرئيس «زاباطيرو» لماذا لا يتخلى عن سيارته المستوردة ويستعمل سيارة «سيات» الإسبانية محلية الصنع. فشعر الرئيس بالحرج وأجاب بطريقة ملتوية. ولسوء الحظ لم يجد الحليمي أمامه من يطرح عليه هذا السؤال، ويطلب منه إمداد الرأي العام بإحصائيات مضبوطة عن حجم «الكافيار والسيغار» الذي يستورده المغرب بالعملة الصعبة.
وأستطيع أن أجزم أن الأغلبية الساحقة من المغاربة لم يسبق لهم أن تذوقوا «الكافيار»، ومنهم من لا يعرف حتى شكله. ولازلت أتذكر أحد معارفي القدماء الذي تمت دعوتهم ذات مناسبة إلى عشاء في بيت أحد أثرياء الرباط، وعندما وضعوا أمامه طبقا من «الكنبري» أو «اللونغوست الملكي» لم يسبق له أن شاهده أو تذوقه. وهذا طبيعي، فثمن الحبة الواحدة من «اللونغوست» يساوي نصف راتبه الشهري البائس.
وفي الغد عندما سألوه ماذا تعشى في بيت الملياردير الرباطي قال لهم ساخرا «حطو لينا شي بخوش كبير عندو ودنين طوال ما عرفت منين نبداه». وصاحبنا معذور في تسميته الساخرة لهذا النوع من الحشرات البحرية باهظة الثمن بالبخوش. فهو لم يسبق له أن تعرف إلى هذه الحشرات النادرة التي تتشرف بدخول قصور الأثرياء في المغرب.
فقد تعود طيلة حياته السابقة، مثله مثل أغلب المغاربة من ذوي الدخل المحدود، على العيش على «النقانق» والحرشة والبيض المسلوق والشاي والخبز. وليس أمام السي الحليمي لكي يقتنع بأن أغلب المغاربة يجهلون كل شيء عن «الكافيار»، سوى أن يتابع ما ينشر هذه الأيام حول العصابات التي تطحن لحوم الكلاب والحمير وتبيعها لعباد الله في الشوارع. فالناس يتهافتون على «ساندويتسات الصوصيص» لأنها رخيصة الثمن، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عن نوع الحيوان المسكين الذي يفترسون.
ومن الأشياء الأخرى التي عابها المندوب السامي على المغاربة كونهم يستهلكون الطاقة بإسراف كما لو أنهم ينتجونها. ومن يسمع كلام المندوب يتصور أن بيوت كل المغاربة مجهزة بالشوفاج الكهربائي أو الغازي. والحال أن الأغلبية الساحقة من المغاربة يسكنون في بيوت تشبه الثلاجات، تفتقر إلى أنظمة للتدفئة. والطاقة الأكثر استهلاكا اليوم لمقاومة البرد هي «الطاقة المجمرية»، نسبة إلى «المجمر».
وبسبب الإدمان على استعمال هذه الطاقة انتقل إلى رحمة الله الواسعة المئات من المغاربة إلى حدود اليوم بسبب الاختناق بثاني أكسيد الكاربون الناتج عن استعمال هذه «المجامر» داخل غرف النوم. وإذا استمر هذا الزمهرير لأسابيع أخرى فربما يصبح عدد ضحايا «سنوات المجمر» في المغرب أكبر من عدد ضحايا «سنوات الجمر» في سنوات الرصاص.
الغريب في تصريحات المندوب السامي للتخطيط ووزير المالية أنهما اتفقا على تشجيع المغاربة في خرجتهما الأخيرة على استهلاك السلع المغربية وشراء السيارات المصنعة محليا، لدعم الاقتصاد الوطني.
مع أن أعضاء الحكومة الثلاثين ومدراء دواوينهم وموظفيهم الكبار يركبون جميعهم سيارات خدمة باهظة مستوردة من الخارج.
إنهم يطلبون منا أن نكون وطنيين في استهلاكنا دون أن يكلفوا أنفسهم إعطاء مثال واحد صغير عن هذه الوطنية. مع أن الدولة والحكومة والمؤسسات العمومية هي أكبر مستهلك للمنتجات الأجنبية. وخصوصا في مجال السيارات والتجهيزات اللوجستيكية.
وزير المالية الذي يلبس «الكوسطار» المستورد من إيطاليا، يريدنا أن نستهلك ملابس «لوزينات» المغربية التي بمجرد ما تلبسها حتى تطير صدفاتها و«تتعكس» سلاسلها وتبدأ خيوطها في «السليت».
أية مصداقية ستكون لخطاب حكومي حول استهلاك المنتجات المحلية ونحن نرى وزيرة «الشيكي» في الحكومة ياسمينة بادو تلبس بالعملة الصعبة ما يعادل شقتين في السكن الاجتماعي.
إن ما يدفع المغاربة لاستهلاك المواد المستوردة أو المهربة من الخارج، ليس هو حسهم الوطني الناقص، أو رغبتهم في تحطيم الاقتصاد الوطني. بل السبب هو أنهم أصبحوا يحصلون على مواد استهلاكية بجودة عالية وبأسعار في المتناول. والسبب هو أن السلع المغربية أغلبها «سلعة لاروب»، وثمنها مرتفع مقارنة مع السلع القادمة من الخارج. وللتأكد من ذلك ما عليك سوى أن تقف في باب سبتة بتطوان أو بني نصار بالناظور لكي ترى مئات السيارات المغربية وهي تعبر نقطة الجمارك محملة بالسلع الإسبانية. فقد أصبحت عائلات كثيرة من الطبقة المتوسطة والمرفهة تصعد من محور الدار البيضاء والرباط نهاية كل شهر نحو المراكز التجارية بسبتة ومليلية للتسوق والتزود بمواد الشهر الاستهلاكية بثمن أقل وجودة أكبر.
مأساة المغاربة الذين يستنجد بهم اليوم وزير المالية والمندوب السامي للتخطيط من أجل إنقاذ الاقتصاد الوطني، هي أنهم لا يثقون في منتجاتهم المصنعة محليا. وليس فقط المنتجات الاستهلاكية وإنما حتى المناهج التربوية المغربية. وفي الوقت الذي ينتظر الجميع من الحكومة أن تعيد للتعليم العمومي قيمته وأهميته نرى كيف تتصارع شخصيات نافذة وعسكريون برتب عليا وشخصيات سامية هذه الأيام على تسجيل أبنائها في مدارس البعثات الأجنبية بالمغرب. فقد تقلص هذه السنة عدد المقاعد الممنوحة للمغاربة في مدارس البعثة الفرنسية مثلا، بسبب دخول ثلاثين فرنسيا للاستقرار في الرباط والدار البيضاء للإشراف على مشروع الترامواي الذي فازت به شركة فرنسية. وبما أن الأولوية في مدارس البعثة الفرنسية هي للفرنسيين، فقد «ناضت شماطة» بين العائلات المغربية الثرية في المدينتين على المقاعد القليلة التي «شاطت».
لقد وصلنا في المغرب إلى الحد الذي أصبح فيه الجميع تقريبا يستهلك سلعة مستوردة. بسبب رداءة المنتوج الوطني التلفزيوني صار الكل يتابع قنوات فضائية أجنبية ويقاطع القنوات المغربية. وبسبب رداءة المنتوج الغذائي ليس هناك بيت واحد يخلو من مواد استهلاكية مهربة. أما اللباس فالجميع يرتدي «ماركات» أجنبية مصنعة في إسبانيا أو إيطاليا. وبسبب رداءة المنتوج التعليمي العمومي يحلم الجميع بدون استثناء بتسجيل أبنائه في مدارس البعثات الأجنبية حرصا على مستقبل
الأبناء.
أما أكبر كارثة اليوم تضرب المغرب فهي أن نرى كيف أن أعدادا متزايدة من الأطباء والمهندسين والأطر العليا الفرنسية تلجأ إلى المغرب هربا من أزمة البطالة التي تضرب فرنسا اليوم، وفي الوقت نفسه نرى كيف يفر مهندسونا وأطباؤنا وأطرنا العليا إلى كندا وأمريكا وغيرها من الدول الباحثة عن الأدمغة المغربية. لذلك فأنا لدي سؤال يا سعادة الوزير الأول، هل انتهى إلى علمكم الموقر أن المغاربة أصبحوا يعيشون حياة مهربة ويأكلون سلعا مهربة ويشاهدون أفلاما وبرامج مهربة، وربما حتى أحلامهم أصبحت مهربة.
وإذا كان هناك في المغرب اليوم من يغير «الفرماج» المحلي بآخر إسباني، ومن يغير القناة الثانية المغربية بالقناة الثانية الفرنسية، فالأخطر من كل ذلك أن يكون لدينا من يفكر بتغيير «العتبة» دفعة واحدة و«تغبار» وجهه عن هذه البلاد حتى لا يرى وجهكم العزيز إلى الأبد.
وهذه هي الطامة الكبرى.

Admin
Admin

المساهمات : 574
تاريخ التسجيل : 29/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salahsoft.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الكافيار والبخوش

مُساهمة  Admin في الإثنين فبراير 09, 2009 1:18 pm

من منا في المغرب لا يحلم بترك هده البلاد
فالوطنية كليمة كبيرة لكنها أفرغت من معناها
كما أفرغت جميع الصناديق و الميزانيات
لهدا الله يجيب شي هجرة مستورة

Admin
Admin

المساهمات : 574
تاريخ التسجيل : 29/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salahsoft.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى